عبد الفتاح اسماعيل شلبي
359
من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي
بالناطق . ولا يجف ذلك عليك على ما به من ظاهر انتقاض صنعته ، فان العرب قد تحمل على ألفاظها لمعانيها حتى تفسد الاعراب لصحة المعنى « 1 » . وهو في مثل هذه الابتكارات يسمح لنفسه بأن يطيل ، ويستطرد من مثال إلى مثال غير خارج عن الموضوع الذي يتحدث فيه ، ويحتج له . ( ه ) ثم أقرأ حديثه عن « التضمين » بما يدل على تفهمه لروح العربية ، وغوصه البعيد عن أسرارها ، قال في قراءة : « وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ » « 2 » بضم الياء وفتح الدال : » هذا على قولك » خدعت زيدا نفسه « ومعناه عن نفسه ، فان شئت قلت على هذا حذف حرف الجر فوصل الفعل ، كقوله عز اسمه « وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا » أي من قومه وقوله : « أمرتك الخير » أي « بالخير » . وإن شئت قلت : حمله على المعنى فأضمر له ما ينصبه ، وذلك ان قولك خدعت زيدا عن نفسه يدخله معنى انتقصته نفسه ، وملكت عليه نفسه ، وهذا من أسد وأدمث مذاهب العربية ، وذلك أنه موضع يملك فيه المعنى عنان الكلام فيأخذه اليه ، ويصرفه بحسب ما يؤثره عليه ، وجملته أنه متى كان فعل من الأفعال في معنى فعل آخر فكثيرا ما يجرى أحدهما مجرى صاحبه ، فيعدل في الاستعمال به اليه ، ويحتذى في تصرفه حذو صاحبه ، وإن كان طريق الاستعمال والعرف ضد مأخذه ، ألا ترى إلى قول اللّه ( جل اسمه ) « هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى » « 3 » ، وأنت تقول : هل لك في كذا ؟ لكنه لما دخله معنى أجذبك إلى كذا وأدعوك اليه قال : هل لك أن تزكى ، وعليه قول الفرزدق : كيف تراني قالبا مجنى * قد قتل اللّه زيادا عنى واستعمل عن هاهنا لما دخله من معنى قد صرفه اللّه عنى ؛ لأنه إذا قتله فقد صرف عنه . وعليه قوله تعالى : « أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ » « 4 » ، وأنت لا تقول رفثت إلى المرأة ؛ وإنما رفثت بها ومعها ، ولما كان الرفث بمعنى الافضاء ، عدى بالى كما يعدى أفضيت بالى ، نحو قولك أفضيت إلى المرأة . وهو باب واسع منقاد . . . فكذلك قوله عز وجل : « وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ » جاء على خدعته نفسه لما كان معناه معنى انتقصته نفسه « 5 » .
--> ( 1 ) 2 / 261 . ( 2 ) سورة البقرة آية 9 . ( 3 ) سورة النازعات آية 18 . ( 4 ) سورة البقرة آية 187 . ( 5 ) 1 / 31 .